/ara/article/183.htm
اخر تحديث: الخميس, 20 تشرين الثاني , 2008- 11:20م -دمشق

ثقافةـ آثارـ فن>>فن النحت... تجسيد للحضارات القديمة وتخليد للتاريخ

30 آب , 2008

درعا-سانا

يعتبر فن النحت من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان وهو فن تجسيدي يرتكزعلى إنشاء مجسمات ثلاثية الأبعاد لإنسان أو حيوان أو طير أو نبات باستخدام الجص أو الشمع أو الصلصال والصخور.

وقد عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل نماذج و منحوتات مختلفة تعود إلى الحضارات المتعاقبة كالحضارة الفرعونية وحضارات الشرق القديم والحضارة الرومانية واليونانية حيث كان فن النحت يستخدم قديماً لأغراض دينية ولتخليد الآلهة و العظماء و القادة.

وشهد فن النحت في حوران القديمة تطوراً كبيراً و انتشاراً و اسعاً شمل مناطق جنوب سورية و كان من أوائل الذين أشاروا إلى أهمية فن النحت في حوران الرحالة الأجانب الذين زاروا هذه المنطقة في الفترات و القرون السابقة أمثال ارمان ابل و ارنست ويل و هنري سيريج و فيبر وغيرهم.

مفهوم النحت الحوراني تأثر بالفن الكلاسيكي الهيلنستي وتعزز بوجود التشكيلات المعمارية

20080829-142901.jpg

ويقول الباحث الأثري قاسم المحمد رئيس شعبة التنقيب في دائرة آثار درعا إن المنحوتات البازلتية في حوران ذات طابع محلي و خصائص فنية تؤكد خصوصية فن النحت في حوران مع تأثرها النسبي بالخصائص و القواعد الإغريقية والرومانية مضيفاً أنه وعلى الرغم من تأثر فن النحت الحوراني بالفن الكلاسيكي الهيلنستي من حيث الشكل العام الا أنه اتصف بصفات وميزات جعلته يتميز عنها ما أدى إلى ظهور مفهوم الفن النحتي الحوراني البحت الذي تعزز بوجود العديد من المنحوتات و التشكيلات المعمارية والقطع المدفونة المزخرفة مثل التوابيت الحجرية و أبواب المدافن التي مازال قسم منها في مواطنه الأصلية في جبل العرب و اللجاة وسهل حوران وقسم آخر يعرض في المتاحف السورية و العالمية.

وأشار المحمد إلى أن منطقة حوران القديمة و على الرغم من اتساع أراضيها كانت تشترك في إنتاج نحتي بازلتي واحد استخدمه المعماريون و البناؤون والنحاتون و لم يستخدموا غيره من المواد المتوفرة كالحجر الكلسي والبرونز أو الرخام الأسود.

سحر... من المواقع الأثرية المميزة بخصائصها الفنية والمعمارية والتاريخية

وأوضح المحمد أن الكشف عن موقع سحر في منطقة اللجاة و الذي يعتبر من المواقع الأثرية المميزة بخصائصها الفنية و المعمارية و التاريخية ووقوعه في منطقة بركانية وعرة إضافة إلى وجود الأبنية الأثرية المنتشرة و المجموعات النحتية الرائعة التي تم العثور عليها في الموقع لفت الأنظار إلى ضرورة دراسة هذه المنحوتات للوقوف على واقع فن النحت في جنوب سورية لأن فكرة مشروع دراسة منحوتات سحر الفنية بدأت في العام 1989 عندما تم العثور على عدد من أجزاء لتماثيل في الموقع المذكور آنذاك ونقلها إلى مستودعات الدائرة في مدينة درعا حيث وجهت في العام 1990 دعوة إلى البرفيسور توماس فيبر من جامعة ماينتس الالمانية لدراسة هذه المنحوتات.

وفي العام 1998 قام العالمان فيبر الالماني و بوليللي من المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى بزيارة إلى الموقع في اللجاة ليتم بعدها تشكيل بعثة أثرية سورية فرنسية المانية مشتركة مهمتها الكشف عن موقع سحر في اللجاة و دراسته بالإضافة إلى دراسة الآثار الجنائزية في جنوب سورية في محافظتي درعا و السويداء حيث أنجزت عملها في العام 2002.

سحر... موقع ديني وثني غني بالمنحوتات الزخرفية المعمارية

وبين رئيس شعبة التنقيب أن موقع سحر في منطقة اللجاة ذكر إثر زيارة قام بها عالم الآثار الأمريكي بتللر من جامعة برنستون في بدايات القرن العشرين حيث وصف الموقع بأنه موقع ديني وثني يتألف من بقايا مبنيين رئيسيين هما المعبد و المدرج.

أما المعبد فأنه ذو مخطط نبطي كما أشار بتللر يتشابه إلى حد كبير مع معبد بعل شمين في موقع سيع في محافظة السويداء و الذي يعود إلى الربع الأول من القرن الأول الميلادي.

وكان المعبد مهدماً و لكنه في حالة مفهومة من حيث الشكل المعماري و العناصر المكونة له والمنحوتات الزخرفية المعمارية المتناثرة في أرجاء مختلفة من المعبد أما المدرج فيقع إلى الشرق من المعبد بحوالي 15 متراً و يتجه نحو الجنوب يبلغ قطره 20 متراً وقطر الأوركسترا 10 أمتار وربع المتر منصته مهدمة تماماً والأوركسترا مملوءة بالأنقاض ويتألف المدرج من سبعة صفوف تفصل بينها ثلاثة أدراج و للمسرح ثلاثة ممرات سفلية تصل إلى ساحة الأوركسترا من تحت مقاعد المتفرجين الكافيا حيث أشار بتللر إلى أن وظيفة المدرج كانت مرتبطة بالمعبد و ليس للتمثيل أو ممارسة الألعاب.

وأشار رئيس شعبة التنقيب في دائرة آثار درعا إلى أن فريق العمل بعد عمليات ترميم الآثار و التماثيل التي عثر عليها في موقع سحر وضع تصوراً لفكرة عرض التماثيل في المعبد على المنصة و قام بإنشاء منصة بنفس الأبعاد التي وصفها عالم الآثار بتللر حيث و ضعت التماثيل على الشكل التالي في الواجهة الشرقية للمنصة وتم وضع تماثيل سبعة من الفرسان على أحصنتهم بأحجام و أشكال مختلفة وقريبة من الحجم الطبيعي و خلف الفرسان فارس آخر يمتطي حصاناً بحجم أكبر من حجم الفرسان في الأمام وعلى الزوايا نصب تمثالان لربة النصر فكتوريا مرفوعان على أعمدة.

وعرض على الواجهة الغربية للمنصة تمثالان لأسدين يجران عربة ذات عجلتين تحمل على متنها تمثالين بالحجم الطبيعي تقريباً يمثل أحدهما الربة اثينا والثاني غير معروف وربما يكون للاله زيوس ذو الشرى وإلى اليسار عرضت عربة أخرى غير معروفة تجرها الحيوانات وعلى متنها تماثيل غير واضحة الملامح و عرضت في الزوايا تماثيل للربة فيكتوريا مرفوعة على أعمدة كما في الجهة الشرقية يتقدمها تمثالان لآلهة غير معروفة وربما أحدها يمثل الآلهة ارتيميس ديانا آلهة الصيد.

سحر...مركز ديني ذو صفات محلية شرقية تطرح مسألة الهوية الثقافية لجنوب سورية

وقال رئيس شعبة التنقيب إن المديرية و البعثات المشتركة أجرت مسوحات موسعة شملت مختلف أرجاء حوران التي عثر فيها على تماثيل بازلتية مشابهة لمنحوتات سحر مثل تل شهاب و درعا و خربة غزالة والمسمية ومنارة الشريف و شعارة و الشرايع و صور اللجاة و عريقة وشهبا و شقا و سليم وسيع في السويداء بالإضافة إلى المتاحف التي عرضت فيها منحوتات بازلتية كالمتحف الوطني في دمشق ومتاحف السويداء و بصرى و القنيطرة و دير عطية وحماة بغية إجراء مقارنة مع منحوتات موقع سحر حيث توصل فريق العمل الذي قام بالكشف على موقع سحر إلى نتيجة مفادها أن هذا الموقع يعد من أهم المراكز الدينية المحلية في منطقة اللجاة و حوران وأن المنحوتات التي عثر عليها في الموقع يعود لفترة ما قبل العهد الروماني وبمعنى أدق إلى العصر النبطي لأنها تتميز بصفات محلية شرقية تطرح مسألة الهوية الثقافية لمنطقة جنوب سورية بدلالة العثور على لقى تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد إضافة إلى الخصائص الفنية التي تتصف بها هذه المنحوتات حيث أكد عالم الآثار فيبر أنه على الرغم من عدم وجود أي نقش كتابي نبطي فأنه لا يمكن نفي تبعية هذا الموقع إلى العصر النبطي بدلالة وجود أسماء مكتوبة باللغة اليونانية ذات أصول آرامية عربية مثل جاموس بن ناصر منقوش على قاعدة تحمل تمثال ربة النصر فيكتوريا.

مكتشفات موقع سحر فتحت أبواباً واسعة لدراسة وتفسير المجموعة النحتية بالجنوب السوري 20080829-142934.jpg

وأضاف المحمد أن مكتشفات موقع سحر اللجاة فتحت أبواباً واسعة لدراسة وتفسير المجموعة النحتية في جنوب سورية و التي شملت كتلاً حجرية و عجلات عربات حجرية و تماثيل لحيوانات مختلفة مثل الأسود و الخيول و النسور وتماثيل الخيالة الذين يرتدون القلابية الطويلة و يضعون أزاراً مربوطاً تحت الصدر و عباءة ترتد إلى الخلف كل ذلك كان من الدلائل التاريخية المميزة لخصوصية سكان هذه المنطقة الأثرية.

ولفت رئيس شعبة التنقيب إلى أن موقع سحر اللجاة كان مركزاً للحج يؤمه الناس من مختلف أرجاء المنطقة و يقدمون فيه القرابين والأضاحي وينحتون له تماثيل الآلهة لعرضها في المعبد الضخم بدلالة العثور على نقود من مدينة صور اللبنانية كما كان الناس يأتون إلى الموقع و يسكنون في البيوت المنتشرة حول المعبد و يقيمون الطقوس و الشعائر الدينية في المعبد و المدرج حيث أشارت الدراسات وأثبتت الدلائل أن الموقع بقي قيد الاستخدام حتى القرن الثالث الميلادي.

يشار إلى أن منطقة سحر تقع في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة اللجاة إلى الجنوب الشرقي من بلدة المسمية في محافظة درعا و تبعد عنها حوالي 6 كم والمنطقة عبارة عن مساحات واسعة من الصخور البركانية و يظهر الحجر البازلتي في كل مكان في المنطقة و يتم الوصول إلى سحر عن طريق المسمية من خلال طريق وعرة قاسية تتخللها العديد من الاندفاعات البركانية التي ربما كانت في الماضي تعوق شق طريق يصل إلى موقع سحر.

إعداد: سلطان الجاعوني

تصوير:حسان السمارة

 إرسل هذا المقال الى صديق
صفحة صالحة للطباعة



International Copyright© 2006-2008, SANA
web by B.O.C