دمشق-سانا
ثمة مدينتان تعيشان جنباً إلى جنب في دمشق إحداهما عبارة عن أمكنة متخيلة أو يحكى عنها بصيغة الفردوس المفقود أما الثانية فهي على قيد الحياة ملفوفة بالدامسكو والبروكار ومقطرة كروح القرنفل وما يصنعه عطاروها الشطار من الزنجبيل والقرفة والياسمين، فدمشق الأرواح والروائح تفور من أسواقها القديمة ووجوه ساكنيها ذكريات الأماكن واحتفالات رجالها ونسائها بوفاء النذور والأضاحي ويعتبر طقس خيال الظل والحكواتي من أهم طقوس المشاهدة لدى الدمشقيين.
كان الرجال في دمشق ينطلقون إلى المقاهي بعد صلاة التراويح للإستماع إلى الحكواتي إذا أرادوا أن يشاهدوا فصلاً من خيال الظل فإذا كان الاستماع إلى الحكواتي ممكناً في جميع أيام السنة فإن مشاهدة خيال الظل قلما تكون ممكنة في غير ليالي شهر رمضان.
أما الكركوزاتي فهو ناقد شعبي وأديب حاضر النكتة وأعجب ما فيه قدرته على تغيير وتيرة صوته ولهجته ومن الكراكوزاتية من كان يستطيع أن يقلد أكثر من عشرة أصوات وهي أصوات الشخوص التي تتوزع أدوار الفصل البابة ولعل أشهر من مارس هذا الفن في دمشق آل حبيب فقد استمر هذا الفن فيهم أربعة أجيال وكان منهم جدهم علي حبيب ثم أولاده عبد اللطيف وعلي خالد ثم أحفاده حبيب وخالد وصالح.. وقد تتلمذ الشيخ أبو خليل القباني عند علي حبيب فحفظ منه الموشحات والأدوار وأخذ ما عنده من الأوزان والألفاظ.
لقد كان الكركوزاتي يضمن فصوله على لسان شخوصه وكان يريد أن يبث في أذهان مشاهديه من نقد وتجريح أو مدح وطرب مع بعض الحكم والنوادر ويلجأ إلى إشراك المشاهدين أحياناً بإجراء الحوار مع الشخوص.
ويلعب الكراكوزاتي الدور الأول والأخير في حركات الرسوم وأشكال ظهورها على الشاشة وذلك أن لكل خيال شكلاً مميزاً في ظهوره وأهمها.. كركوز.. ينزل على الشاشة طباً على وجهه وعيواظ.. متلعبجاً على مقعده والمدلل.. متدلعاً بخفة ورشاقة وأبو الشباب.. مهمهماً متبختراً والبنت.. مغناجة.
ومن أبرز الفصول في خيال الظل فصول الطاحون والحمام وآيا صوفيا وشمأرين واليهودي.
وفي معظم الأحيان كان يساعد الكركوزاتي تخت موسيقي يتصدر المكان إلى جانب الخيمة ويتكوّن من صوّيت مغني ورقجي طبال وقانونجي ولاعب قصب نافخ ناي وتعمل هذه الجوقة بإمرة الكراكوزاتي حسب طبيعة المشهد وشخوصه.
وكان لمسرح الظل أهمية بالغة ويذكر لنا ابن عربي شيخ الصوفية في فتوحاته المكية فيقول.. "ومن أراد أن يعرف حقيقة ما أومأنا إليه فلينظر في خيال الستارة وصوره ومن الناطق بها فالصغار يفرحون ويطربون والغافلون يتخذونه لهواً والعباد العلماء يعتبرون ويعلمون أن الله ما نصب هذا إلا مثلا.
أما الحكواتي ذلك القصاص الشعبي يتخذ مكانه في صدر المقهى على سدةٍ عالية من الخشب مجللة بالسجاد وأصص نبات الصالون يقص على الحضور القصص الشعبية عن عنترة والظاهر بيبرس وأبي زيد الهلالي والملك سيف بن ذي يزن.
وكانت سيرة عنترة أهم السير المحببة إلى النفوس وهي سجل حافل لحوادثٍ وقعت في قلب شبه جزيرة العرب والعالم الإسلامي ويستطيع المرء من خلالها أن يتعرف على القبائل العربية التي ورد ذكرها في السيرة وعاداتها وتقاليدها في الحرب ويركز الحكواتي خلال قصص السيرة على بث مكارم الأخلاق والشجاعة والفداء في نفوس القوم من خلال تجسيد هذه السمات في شخصية أبطال هذه السير الذين يحالفهم الحظ فيها على مناوئيهم الذين يتصفون بالكذب والبخل والخيانة والغدر والرياء والنكث بالعهد.
وكان القوم في اختلافهم إلى المقاهي يتخيرون الحكواتي الذي تتوافق براعته وسرعة بديهته وأسلوبه في الإلقاء وتصعيد حبكة الأحداث وحلها مع مزاجهم وتراهم وفقاً لمشاربهم ينقسمون إلى فئة تناصر البطل وتتحمس له وأخرى تعارض ذلك الموقف مما كان يسبب في بعض الأحيان إشكالات بين الطرفين.
وكان الحكواتي حباً في شد مستمعيه إليه يستغل هذه الظاهرة ويحبك القصة ويصعد الأحداث إلى أن يتوقف عند عقدة يكون فيها البطل في موقفٍ حرج على أمل اللقاء بهم في اليوم التالي ليتابع لهم السيرة. وحدث في أحد الأمسيات أن أحد الحكواتية توقف ذات مرة في مثل ذلك الموقف وترك عنترة يعاني في القصة ما يعانيه فما كان من أحد أنصار عنترة وقد طار النوم من عينيه إلا أن توجه ليلاً إلى دار الحكواتي وأيقظه متوعداً مهدداً إذا لم يخرج البطل من ذلك الموقف وحدث في ليلة عرس عنترة أن قام أنصاره بتزيين المقهى احتفالاً بهذه المناسبة ويذكر لنا البديري الحلاق في يومياته أنه كان في أيامه القصاص الشعبي سليمان بن حشيش فريد عصره ووحيد زمانه وكان يحكي سيرة الظاهر بيبرس وعنترة وسيف بن ذي يزن ونوادر غريبة باللغة التركية والعربية ومع ذلك كان أمياً.
سامر اسماعيل