حلب-سانا
شغل اللباس الإنسان منذ أن وجدت الحياة البشرية على الأرض ولربما قبلها حسب القرآن الكريم الذي وصف العملية الأولى للباس الإنساني عندما أكل أبونا آدم وامنا حواء التفاحة واكتشفا عورتيهما وبدأ يخصفان عليهما من ورق الجنة لإخفائها ولعل ذلك هو أول عملية للباس الذي انتقل مع الإنسان من ستر لإجزاء من الجسم إلى أنماط حياة ومظاهر للبذخ وللمظهر الاجتماعي تطور بتطور الحياة والمجتمعات البشرية من مرحلة إلى اخرى.
وواكب الزي ظهور الإنسان منذ أقدم العصور وتطور تبعا لتطور حياته الاجتماعية والاقتصادية فانتقل من استخدام أوراق الأشجار وجلود الحيوانات إلى أقمشة محاكة من الصوف والقطن والحرير ليتحول زيه مع مرور الزمن إلى ظاهرة يمكن من خلالها تمييز الشعوب عن بعضها البعض الأمر الذي دفع للإجتهاد في تطوير الزي والصناعات المرتبطة به كالحياكة والتطريز والصباغة.
وقالت مصممة الأزياء سهى شويحنة إن الأزياء الشعبية من أهم المعالم الثقافية المميزة للشعوب والتي بات من الضروري حفظها من الإندثار وتوثيقها كونها تعطي صورة واضحة عن تطور الحياة الاجتماعية والفكرية بكل مراحلها.
وأشارت شويحنة إلى أن الأزياء الشعبية الحلبية تميزت بين الريف والمدينة باقمشتها ونقوشها حيث تنفرد الازياء الريفية بالنقوش النباتية والهندسية التي تعكس طبيعة كل منطقة فازياء منطقة السفيرة يغلب عليها الأشكال الهندسية لتميز طبيعة المنطقة بالأحجار البيضاء على عكس أزياء منطقتي نبل والاتارب التي يغلب على نقوشهما الطابع النباني كاشجار السرو والنباتات المحلية اما ازياء مدينة حلب فتكوينها قائم على أقمشة الصاية والأطلس والمخمل والقطنيات المعشقة بالاغباني والمطرزة باللون الذهبي المعبر عن الطابع المدني .
ولفتت المصممة إلى ضرورة تطوير الزي الشعبي الفلكلوري وعصرنته بإسلوب يحقق التمازج بين التراث وخطوط الموضة العالمية مشيرة إلى أن عروضها استمدتها دائماً من التراث من خلال دمج الاقمشة الحديثة كالتول والحرير والكتان والجينز مع الاقمشة التقليدية التي تصنع على النول اليدوي حتى يومنا هذا كقماش البروكار رمز الهوية السورية الذي يحمل لقب أول نسيج جاكار في تاريخ النسيج وتعني كلمة الجاكار الشبكة المترابطة من الخيوط الملونة وقماش النجف وهو قماش اشتهرت به بلاد الشام وبلاد الرافدين وقماش القز الحموي.
ونوهت شويحنة إلى أهمية العودة إلى التراث واستلهام الأفكار من عناصره كالبيت العربي الذي كان مصدراً ثرياً لتصميماتها بكل مكوناته الممتدة من دفء حكاياته وثبات جدرانه وأسرار عمارته وجمال حديقته بما تحتويه من نباتات لاتزال روائحها مخزونة في ذاكرتنا ووجداننا.
وأضافت إلى أن الزي الشعبي يبقى علامة مميزة توثق لتاريخ بلدنا ما يعزز أهمية فكرة المحافظة عليه كونه يلقى الضوء على جانب مهم من تطور حياتنا الاجتماعية والفكرية فضلاً ًًعن كونه اختصار لعملية إبداع فني مدروسة بعيدة كل البعد عن التلقائية والعفوية حيث يحمل كل نقش مدلولاً معبراً عن مغزى سيكولوجي يبين الدوافع الاساسية التي استخدمت من أجلها فالسهم لإتقاء الحسد والسمكة ترمز للخير والسنبلة ترمز للعطاء والرخاء وحدوة الفرس لإتقاء الحسد والمزهرية تعبر عن استمرارية الحياة والمثلث الهرمي يرمز للسعادة.
ودعت المصممة شويحنة إلى إحياء الزي الشعبي والحفاظ عليه من خلال إنشاء مراكز خاصة في كل المدن السورية بهدف إحياء الحرف التقليدية المرتبطة به كالحياكة اليدوية وتزويد الشباب بهذه المعارف وتأهيلهم وتعريفهم بتراثهم العريق والمساهمة في خلق فرص عمل مناسبة لهم من خلال العمل بالتوازي على حفظ هوية الزي المحلي وتطويره بما يتماشى مع الأذواق الحالية بحيث يتمكن من منافسة تصميمات بيوت الموضة العالمية.
ويرى باحث مختص بأن العولمة باتت من أخطر التهديدات التي تواجه ذاكرة الشعوب المعاصرة بكل ما تمتلكه من مخزون ثقافي وارث فني لانها تضع في أولوياتها مسح هذه الذاكرة المرتبطة بديمومة الإنسان وبقائه لإحتوائها على مكونات ثقافته الممتدة عبر زمن وتاريخ وجوده على أرضه ولتجسيدها فلسفته الحياتية المميزة له.
حنان جنيكة