حلب-سانا
يعد جامع الشعيبية من أقدم الجوامع في بلاد الشام ويقع في محافظة حلب شمالي سورية داخل باب انطاكية الأثري العتيق ويتصدر الشارع الداخل إليه.
بني مكان قوس النصر الروماني عندما فتح المسلمون حلب سلما عام 16 للهجرة 637 م على يد القائد أبو عبيدة بن الجراح.
وذكر نديم فقش مدير الآثار والمتاحف بحلب أن المسجد كان أيام نور الدين الزنكي مدرسة للشافعية عرفت بالشعيبية لأنه عهد بتدريسها إلى الفقيه الزاهد شعيب بن أبي الحسن الأندلسي عام 545 هجري.
وذكر المؤرخون أن لهذا الجامع صحناً صغيراً فيه حوض من الجهة الغربية ينفذ منه الماء إلى القسطل الذي أحدثه أهل المحلة على بابه وله منارة قصيرة فوق بابه وفيه قبلية صغيرة في شرقيها حجرة فيها قبر لأحد الصالحين وبعض جدرانه باقية من آثار نور الدين الزنكي والقدم ظاهر عليها وقد ارخ على الجدار الشمالي سنة خمس وأربعين وخمسمئة.
وقد حازت الواجهة الخارجية بنقوشها الكثيرة وهندستها القديمة والكتابات الكوفية المزهرة على اهتمام المستشرقين والمؤرخين وتجسد التحول الذي طرأ على أسلوب الهندسة في عهد نور الدين الزنكي ونشأة الطراز السياسي في الكتابات.
يتكون الجامع من مدخل يؤدي إلى صحن صغير يحده شمالاً سور يتقدمه درج يؤدي شرقاً إلى غرفة بمحاذاة القبلية وغرباً إلى المئذنة ويحده شرقاً قبلية في شرقيها مدفن وغرفة صغيرة ويحده جنوباً سور يتقدمه رواق ويحده غرباً ردهة المدخل.
وشهد جامع الشعيبية أعمال ترميم في مطلع التسعينيات حيث تم تلبيس جدرانه بالحجر الأصفر حتى ارتفاع مترين بمستوى فتحات الأبواب والنوافذ وتم إلغاء المنبر الخشبي وتحويله لمنبر حجري حديث ضمن جدار القبلية وتم تسقيف الرواق المطل على الفناء الرئيسي للمسجد بسقف بيتوني.
ويقول الدكتور محمد دلو رئيس شعبة الهندسة بمديرية آثار حلب إنه وبمناسبة اختيار حلب عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2006 تم تنفيذ مشروع إعادة ترميم الجامع بمساهمة من أبناء مدينة حلب وذلك بإشراف مديرية آثار ومتاحف حلب ومديرية الأوقاف حيث بلغت قيمة إعادة ترميمه 6 ملايين ليرة سورية.
وكان الجامع يعاني من تشققات كثيرة وتساقط بعض إكساءات الجدران في عدة أماكن وتآكل المنجور الخشبي وكان الفناء مغطى بسقف من الحديد ولوحظ اهتراء في الحجارة وقد شملت أعمال الترميم إزالة الطفيليات وأعمال الاستبدال وأعمال الترميم وشملت ترميم بعض الخشبيات الموجودة فوق النوافذ والجدران والقبلية وإزالة الإكساء عن القباب وإعادة إكسائها بمواد كلسية وحقن القباب لزيادة تماسكها وترميم الجدران بذات الطريقة وتنظيف الواجهات الحجرية وإزالة النباتات الطفيلية وفك جزء من الجدار الشمالي وإعادة تركيبه وتأهيل الموضا وإلغاء المنبر الحجري القديم الذي وضع بالتسعينيات والاستعاضة عنه بمنبر خشبي جديد.
ومن يزور جامع الشعيبية مروراً بباب انطاكية الأثري القديم يتلمس آثار العرب المسلمين في كل مكان ومن يدخل فناه الداخلي يشاهد آثار المحراب القديم الذي نحت بالحجارة على مقربة من المحراب الحديث وتسمع المؤذن يدعو الناس للصلاة بصوته الرخيم وهو شاب كرس نفسه لرفع الآذان ودعوة الناس للصلاة في أوقاتها الخمسة إضافة لعمله في جوار المسجد كبائع ومصلح للساعات.
وأشار مؤذن الجامع سامر جنيدي إلى آثار أنابيب فخارية في موضئ الجامع من الجهة الغربية تؤدي لسبيل مياه قديم غير مستعمل تجاه الشارع حيث أكد باحثو الآثار أنها بقايا قناة مياه أثرية كانت تستجر من منطقة حيلان غرب حلب إلى الجامع لاستخدامها في الشرب والوضوء وهذا دليل على تطور أنظمة الري في مدينة حلب منذ العهود القديمة.
كما أشار إلى موقعي بئرين داخل الفناء الخارجي للجامع من الجهة الشمالية واحد خصص لجمع المياه والآخر كانت تنبع منه المياه ويتم الاستفادة منهما حتى الآن .وهناك مجموعات سياحية دينية من مختلف البلاد العربية والإسلامية تأتي لزيارة الجامع والصلاة فيه حيث يتسع إلى مايقارب 400 شخص.
إن جامع الشعيبية لم يأخذ دوره كاملاً في السياحة الدينية لأن أغلب الوفود السياحية والدينية يقصدون الجامع الأموي هذا ما أكده الدكتور أحمد قدور مدير أوقاف حلب لدى سؤاله عن كيفية توظيف الجامع للسياحة الدينية وتعريف المسلمين في البلاد العربية والأجنبية بعراقته وقدمه.
وأضاف أنه أقدم جامع في الإسلام بني خارج الجزيرة العربية يقصده الباحثون في التاريخ الإسلامي والمؤرخون لمدينة حلب والمفكرون الإسلاميون.
ويوجد أكثر من 200 مسجد أثري ضمن المدينة القديمة وهي بحالة إنشائية ضعيفة وبحاجة لترميم وموازنة مديرية الأوقاف تصرف لهذه الغاية وضمن الأولويات.
وأضاف الدكتور قدور أنه ومنذ انطلاقة احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2006 أولت المديرية الاهتمام الكبير للمواقع الأثرية وأسست مكتباً للترميم الأثري ويهتم بتوثيق هذه المساجد وإعداد الدراسات اللازمة لإجراء أعمال الترميم لها حيث تم ترميم ستة مساجد هي البيلوني ..المدرسة الظاهرية ...الشعيبية...الطرسوسي ...والتكية الرفاعية.
وحالياً تم إنجاز ترميم أكثر من 30 مسجداً وهناك خطة للأعوام العشر المقبلة لترميم معظم المساجد الأثرية بحلب بالتعاون مع مديرية الآثار والمتاحف ومدينة حلب القديمة ومديرية الأوقاف تشرف حالياً على المساجد إدارياً وفنياً ودينياً وتقدم التسهيلات للمتبرعين لإجراء عمليات الترميم والإسهام في هذا العمل الحضاري لإبراز الوجه العريق لتراث أمتنا.
قصي رزوق