حلب-سانا
تتميز الموائد الرمضانية في العالم الاسلامي بتعدد الأنواع الغذائية من انطلاقاً من قناعة مفادها أن الصائم المتعبد يستحق تناول ما يشتهي من الطعام كمكافأة له عند الإفطار.
ويقول حسان خوجه مستشار الجمعية السورية لذواقي الطعام ان المائدة الرمضانية الحلبية تتميز بسمات خاصة من خلال تشكيل غذائي يتضمن العناصر المتمثلة بالسوائل والعصائر والمقبلات والاطباق الرئيسية والحلويات وتحرص العائلة الحلبية على الاستفادة من كل المواد وعدم هدر أي منها كبذور البطيخ التي تجمع وتحمص وتطحن وتستحلب بواسطة الحليب مع تحليته لينتج مشروب البذورات المتميز بقيمته الغذائية الغنية بالفوسفور ويشرب حصراً في رمضان ليمد الصائم بقدرة على مواجهة العطش.
وهناك مشروب النقوع الذي يتكون من عدة فواكه مجففة كالخوخ والتين وقمر الدين والكشمش حيث تنقع مع بعضها في الماء وتعطر بماء الورد ومن ثم تحلى بالسكر والعنبر ويتناوله الصائم على مائدة الإفطار لغناه بالألياف ولكونه مليناً. ويضيف خوجه ان مدينة حلب كانت عبر القرون وما زالت مركزاً لتجارة السوس القادم إليها من مدينة الرقة التي تنتج سوسا يضاهي في نقاوته وجودته أفضل أنواع السوس في العالم الأمر الذي يجعل شراب السوس يحتل حيزاً هاماً على المائدة الرمضانية الحلبية.
وتتنوع مقبلات المائدة الرمضانية الحلبية التي تتبع لخضار الموسم كسلطة الخضار مع العصائر الحمضية من رمان وحصرم وليمون وسماق وخل أما المحمرة فتعد من أهم المقبلات الرمضانية واساسها فليفلة حمراء مجففة في موسمها على قماش قطني او اطباق من القش تلافيا لحرقها أو اسوداد لونها إذا ما وضعت في أطباق معدنية وتشكل الفليفلة الحمراء ثمانين بالمئة من أساس المحمرة حيث تنقع في الماء الفاتر وتطحن ويضاف اليها دبس الرمان والحوز المفروم ومدقوق الكعك وزيت الزيتون والكمون والبصل.
وهناك طبق الكبة النية الذي يتكون من عجينة البرغل التي برع الحلبيون فيها وأبدعوا في تشكيلها حيث تدعك مع الهبرة في قصعة فخارية تدعى غدارة وتشكل بالإصابع بما يسمى في حلب دقماق لتصف في الصحن مع رش الفستق الحلبي المبشور وزيت الزيتون عليها ويرافق الكبة النية طبق مقبلات ساخن يسمى بشلك تكوينه من اللحم المفروم المقلي مع البقدونس والصنوبر ويقلى فيه البيض "عيون" ليعطي تمازجاً لونياً رائعاً وبنية غذائية متكاملة.
وتحدث خوجه عن تنوع اطباق الطعام الرئيسية التي تعمر بها المائدة الرمضانية الحلبية كالمحاشي والكبب أو ما يدعى بالتطبيقة والمكون من الارز المطبوخ وبجانبه طبق اخر كالقرنبيط باللحمة أو الفاصولياء الخضراء لافتاً الى وجود 60 نوعاً من الكبب كالمشوية والمقلية والزحلاوية والدراويش والصاجية والموزية والصينية والاجاصية اضافة للكبب المرافقة للصلصات كاللبنية والارمان والسفرجلية والمساقية والمحبرمة.
ويتمتع طبق المحاشي بمكانة خاصة في المطبخ الحلبي كالسندوانات التي تحشى بالارز والحمص واللحم المفروم الناعم ومحاشي الخضر كاليبرق والقرع الذي يلقب بسلطان المحاشي والكوسا والباذنجان والفليفلة الخضراء وقوام حشوتها الارز واللحمة الناعمة والتوابل الخاصة بها اما محشي العجور فيحشى بالفريكة واللحمة الناعمة. ولا يستغني الصائم الحلبي بعد تناول العصائر والمقبلات وانواع الطعام المختلفة عن طبق من الحلويات مصنوع بنفس مميز ويأتي في مقدمتها الكنافة المسماة أم النارين والحلويات العربية كالمبرومة والبلورية والبصمة والقطايف واللقم بالجوز والسيالات التي يبلغ قطر قرصها 30 سم وتقلى بالسمن العربي لتلف اسطوانيا ويرش عليها السكر الخشن والقرفة المطحونة وغزل البنات الذي تنفرد به مدينة حلب في شهر رمضان المبارك ويعتبر جوهرة حلوياتها حيث تم استقدامه من الصين عبر طريق الحرير منذ ما يزيد على الفي عام وكان يعرف باسم لحية التنين وصنع للمرة الاولى بطلب من ابنة احد اباطرة الصين فجاء بحجم الجوزة وتكوينه من مادة السكر الخام الملتصق.
لكن.. الصناع الحلبيون قاموا بتطويره من خلال جعل شعيراته ناعمة وهشة وغير متلاصقة كما يبلغ حجم طاباته من /40/50/ غ لتحتمل الحشوة المكونة من الفستق الحلبي المحمص والقطر وماء الزهر والسكر او كريمة الحليب الغليظة المسماة في حلب القيمق.
أما حلوى الكرابيج فقوامها عجينة المعمول المحشوة بالفستق الحلبي أو الجوز والبهارات المنكهة كالقرنفل والقرفة وتؤكل بعد تغطيتها بطبقة من الناطف المكون من مزيج السكر مع شرش الحلاوة وماء الورد.
ويرى الباحثون ان خصوصية المطبخ الحلبي فرضتها جغرافية المدينة المغلقة ما دفع اهلها للاهتمام بفن الطبخ والاستفادة من خبرة الحضارات الاخرى وتطويرها بما يناسب الاحتفالات الاجتماعية والمناسبات الدينية كشهر رمضان المبارك الذي يتنقل في جميع فصول السنة من شتاء وصيف وربيع وخريف خلال دورة كاملة كل 35 سنة ليبقى سيد الاشهر لانه يدرب الانسان على الصبر والتحمل ويلغي جميع الفروقات بين افراد المجتمع.
تقرير: حنان جنيكة