درعا-سانا
تعد محافظة درعا من أجمل و أغنى المحافظات السورية بالمواقع الثقافية والآثار الفنية والمباني التاريخية والمزارات الدينية حيث تحتوي على الكثير من الأوابد التاريخية المتربعة على سهولها وتلالها أوالتي تقع تحت ثراها وتشير هذه الاوابد التاريخية الى ان هذه المنطقة كانت موطن الحضارة الأول منذ اقدم العصور التاريخية.
والحضارة المتواجدة في حوران امتداداً طبيعياً للحضارات العربية القديمة التي ازدهرت في بلاد مابين النهرين ومصر واليمن وقد تعاقبت على محافظة درعا حضارات مختلفة بدءاً من حضارات عصور ماقبل التاريخ مروراً بالفراعنة والأكاديين والعموريين والكنعانيين والاراميين والاشوريين والكلدانيين والاخيميين والانتيوجينيين والبطالمة والسلوقيين والأنباط والغساسنة والبيزنطيين والأمويين والعباسيين والسلاجقة والأتابكة والأيوبيين والصليبيين والمماليك والعثمانيين وحتى العصر الحديث ما قاد إلى تزاوج الحضارة العربية الأصيلة بالحضارات العربية الاخرى وبالتالي تم إغناء الحضارة العربية بكل ما هو جيد ومفيد.
ويشير كتاب درعا الإنسان و الحضارة و التاريخ إلى أن أهمية آثار محافظة درعا تعود إلى دورها الكبير في إغناء معلوماتنا عن تاريخ تنظيم المدن وفن العمارة والنحت والزخرفة والفسيفساء والصناعات المعدنية والفنية وبخاصة صناعة الفخار والزجاج والحلي المطعم بالذهب و الفضة و البرونز وغيرها.
وقد حافظت محافظة درعا على الكثير من المباني الأثرية والمواقع التاريخية بحالة جيدة كمدينة بصرى الشام وقلعتها و مدرجها حيث تعد هذه المدينة من أهم المدن الأثرية في المحافظة لكونها عاصمتها التاريخية وتتميز المدينة بغناها بالآثار الرومانية والإسلامية و بقلعتها الشهيرة ومدرجها الروماني و مساجدها و أسواقها و حماماتها و أقواس النصر وغيرها من الآثار.
تقع مدينة بصرى الشام إلى الشرق من مدينة درعا و تبعد عنها نحو40 كم بينما تبعد عن مدينة دمشق نحو 141 كم باتجاه الجنوب و يصلها بمدينة دمشق طريق معبد و خط للسكك الحديدية يمران بمدينة درعا كما تتصل مدينة بصرى بطريق معبد مع محافظة السويداء.
تتوضع مدينة بصرى الشام الأرية الخالدة على هضبة حوران و تتميز بمناخها المعتدل وافقها المشرق الخلاب طوال أيام السنة كما تمتاز بكروم العنب الشهيرة التي تحيط بالمدينة القديمة منذ أقدم العصور أما أهم الآثار في مدينة بصرى فهي قلعة بصرى الشام الاثرية حيث تميز عهد الحروب الصليبية العمراني بتشييد الكثير من القلاع والحصون ومن أشهرها قلعة بصرى و يتضح بناء هذا الحصن الكبير من قراءة الكتابة العربية الماثلة على ابراجه الشاهقة.
وكان الاعتقاد السائد حتى عام 1948 م أن جميع تحصينات القلعة وأبراجها من بناء الايوبيين في القرن السابع للهجرة الى ان اسفرت أعمال السبر و التنقيب عن ظهور بعض كتابات و جدران أثبتت أن بناء القلعة تم على عدة مراحل بعد أن اتخذ العرب من المسرح الروماني نواة لبناء القلعة. وقد ظهرت على التحصينات روعة من البناء العسكري مما يدل على ان معماري القرون الوسطى لم تنقصهم الوسائل و المعلومات فعملوا على التقدم بفن البناء و نجحوا فيه حتى أن بعض أحجار زوايا القلعة المرتفعة المنحوتة يتجاوز طولها خمسة أمتار.
ففي العهد الاموي والعباسي قام العرب بعد فتح بصرى بسد جميع أبواب ونوافذ المسرح الروماني التي تفتح إلى الخارج بجدران محدثة و متينة فحولوا المسرح بذلك إلى حصن منيع لا يمكن الوصول إليه من أبواب حجرية صغيرة كما هو ظاهر الان في جدران جناح المسرح الغربي الخارجية.
وتم في العهد الفاطمي بناء ثلاثة أبراج ملاصقة لجدران المسرح الخارجي تماماً الأول من الجهة الشرقية ويستند على جناح المسرح الغربي و البرج الثاني يقع في الجهة الشمالية الغربية أما البرج الثالث فيقع في الجهة الغربية ويستند على جناح المسرح الغربي.
وتتصل الأبراج بأبواب تفتح على النوافذ الرومانية العلوية التي تفتح على الممشى الفاصل ما بين القسم الأوسط و العلوي من المدرج.
أما في العهد الأيوبي وعندما أصبحت حوران هدفاً لغارات الصليبيين الذين وجهوا اليها حملتين الأولى تحت قيادة بودوان الثالث عام 1140م و الثانية بقيادة بودوان الرابع عام1182 م.
أظهرت التحصينات القديمة بأنها أصبحت غير قادرة على صد الغارات أو استيعاب افراد الحامية الذين استقدمهم ملوك الايوبيين لذا باشروا في بناء البرج الأول من أبراجها التسعة في زمن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وايام ولده شرف الدين عيسى مستهل عام 599 للهجرة.
وتم إنجاز اخر برج من أبراجها في زمن الملك الناصر يوسف الخليل في العام 649 للهجرة وأحاطوا هذه الأبراج التي بنيت كلها خارج التحصينات والأبراج الفاطمية الثلاث بخندق عميق ودعموا جدران بعض الأبراج من ناحية الخندق بجدران مائلة في عام908 للهجرة.
ويمر فوق الخندق جسر مؤلف من خمسة أقواس ثابتة يتقدمها جسر من الخشب يرفع عند الحاجة بواسطة حبال مثبتة عند باب القلعة.
المدرج الروماني يجمع هذا الاثر بين قوة البناء و عظمته و دقة الزخرفة و جمالها وله خصائصه التي لايشاركه فيها غيره و لا شك في أن هذا البناء العالي الشهرة يعد رمزاً لمجد سورية القديم و خلود لمدينة بصرى الأثرية و هو من اتقن الأمثلة التي تعبر عن بساطة المظهر و روعته و دقة الهندسة وجمالها.
فقد اجمع علماء الآثار على أنه أرقى مظاهر الإنشاء في بناء المسارح في العالم ويعد مسرح بصرى من الابنية التاريخية القليلة التي حافظت على كامل أقسامها تقريباً وصمدت امام الكوارث الطبيعية.
وقد أبدع مهندسوه بالمضاهاة و التماثل في جميع أجزائه التي تستوي جميعها في القياسات و تتفق في الاسلوب و الزخرفة.
يتالف المدرج من ثلاثة أقسام رئيسية يفصل بين القسم والاخر ممشى عريض يحده إلى اليمين ظهر المقاعد الذي يشكل حاجزاً بين كل قسم و تفتح إليه من اليسار الأبواب التي يخرج منها المتفرجون و يتوج هذه الاقسام رواق علوي يستند إلى أعمدة من الطراز الدوري لم يبق منها سوى عمودين من الناحية الشرقية.
ويتالف القسم العلوي من المدرج من خمس درجات والقسم الثاني من 18 درجة بيمنا يتالف القسم الأول من عدد من الدرجات يعتقد أنها 14 درجة بعد النزول من المدرج إلى المسرح يشاهد فيه ثلاثة أبواب فالأول للمسافرين والثاني لسكان المدينة والثالث لعلية القوم يبلغ عرض المسرح 45 متراًَ و نصف من الداخل و54 متراً و 35 سم من الخارج بينما تبلغ نصف دائرة المسرح 102 متراً واعد خلف أبواب المسرح ممشى طويل و فيه ينتظر الممثل إلى أن يحين دوره على المسرح وتحت المسرح و على ارتفاع متر و نصف عن أرض المدرج الاساسية خططت ساحة مستديرة الشكل و اعدت لجلوس فرق العازفين أوعرض ألعاب القوى.
ولتضخيم الصوت وتقويته فقد اهتم مصمموا هذا الصرح باصول السماعيات اهتماماً بالغاً فضبطوا شكل البناء العام وعمق المسرح و ارتفاعه بالنسبة لجلوس المتفرجين وزينوا حنايا المسرح بطبقتين من الأعمدة والرفاريف الكورنثية تستقبل أصوات الممثلين وتضخمها.
ويتسع مدرج بصرى لاكثر من15 ألف متفرج يمكنهم الخروج دفعة واحدة خلال عشر دقائق وذلك لكثرة الأبواب و سهولة المرور بين أقسام المدرج المختلفة.
يذكر أن المدرج مايزال بحالة جيدة وتقام عليه كل سنتين مرة مهرجانات بصرى الدولية.
كما و يوجد في مدينة بصرى مواقع اثرية هامة نذكر منها إضافة إلى ماتقدم أبواب المدينة -قوس النصر-السقاية-الكليبة أو سرير بنت الملك- السوق - النبع- الحمام الايوبي- دير الراهب بحيرا - البركة الشرقية - مدرسة أبي الفداء-الكاتدرائية- قصر تراجان- جامع الخضر -الجامع العمري- جامع فاطمة- جامع مبرك الناقة- بركة الحاج- العمود النبطي- الباب النبطي- الحمامات الرومانية والملعب. أما المدينة الاثرية الهامة بعد مدينة بصرى فهي مدينة درعا تعد مدينة درعا من أقدم المدن المعروفة في سورية فقد ذكر أسمها في رسائل تل العمارنة واول اسم عرفت به درعا هو اذرعي بمعنى قوة أو حصن كما وردت في كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام الجزء الثالث للدكتور جواد علي وعرفت باسم اذرعات و ما زالت تلفظ ذرعات أو ذرعا ويعود تاريخها إلى العصر البرونزي الأول 2100 قبل الميلاد و يعتقد انها كانت عاصمة الملك عوج الشهير بطول قامته.
لقد سكنها الانسان القديم منذ العصور الحجرية و توالت عليها الحضارات الانسانية التي اقيمت في بلاد مابين النهرين لذلك فقد تعرضت هذه المدينة للهدم والتخريب عدة مرات حيث هدم معظم مبانيها القديمة و لم يبق من اثارها سوى الكهوف القديمة و بعض المساكن في الحي الجنوبي الغربي من المدينة اضافة الى بقايا الحمامات الرومانية وقد بينت الدراسات الحديثة و اعمال التنقيب عن اثار مدينة درعا وجود مدرج ضخم بحالة لاباس بها اضافة الى الكثير من الاوابد التاريخية التي ماتزال تحت ثرى مدينة درعا البلد من اهم الاثار الاسلامية في مدينة درعا المسجد القديم الذي يتمتع باهمية خاصة في تاريخ بناء المساجد في العصرين الاموي و الايوبي كانت درعا من اسواق العرب الشهيرة فقد اشتهرت بصناعاتها و بتصديرها الزيت والخمور كما انها من المدن التي كانت تضرب العملة باسمها و تصك فيها النقود.
ومن المدن الاثرية الهامة في محافظة درعا أيضاً مدينة ازرع التي ازدهرت في العصور القديمة و تعد من حيث اهميتها في الدرجة الثانية بعد مدينة بصرى الشام كما ان اثارها تبدي نوعا من التشابه حيث انهما ازدهرتا في عصور متقاربة و عاصرتا الحضارات نفسها و الاحداث التاريخية ذاتها ويعتقد ان الكثير من الابنية الاثرية الهامة و المعابد الدينية ماتزال ترقد تحت مدينة ازرع الحالية.
ومن آثارها الهامة كنيسة مار الياس و كنيستها القائمة حتى الان والمعروفة بكنيسة القديس جيورجس كنيسة الخضر و التي بنيت في العام 514 ميلادي و قد بنيت فوق بقايا معبد وثني بعد عامين من كاتدرائية بصرى وتتمتع الكنيسة باهمية خاصة في تاريخ العمارة الدينية و ذلك لانها الوحيدة من بين الكنائس من الطراز الملكي المستطيل الى الشكل المربع الذي تعلوه قبة من الحجر تقوم على قاعدة مثمنة.
كما تميزت مساكن مدينة ازرع القديمة بالزخارف و الكتابات و النقوش اما المدينة الاثرية الرابعة وتعد احدى المدن الرئيسة في محافظة درعا و تقع في منتصف طريق عام دمشق درعا و تبعد مسافة 50 كم عن مدينتي دمشق و درعا حيث يوجد فيها معبد وثني يعود تاريخه الى العام 91 ميلادي و يتالف هذا المعبد من قنطرة عالية تحيط بها اعمدة جميلة و قد زينت جدران المعبد بالزخارف الدقيقة الرائعة المنحوتة في الحجر البازلتي المصقول.
لقد بني هذا المعبد تكريما للالهة الوثنية تيكة المعروف على انها من الالهة التي عبدها السكان في تلك الفترة كما ان هناك مدنا و قرى اثرية هامة تزخر فيها المحافظة نذكر منها مدينة المسمية و بلدة سحر و قرية معربة والاشعري.
تقرير:سلطان الجاعوني