حماة -سانا
تميزت مدينة حماه في شهر رمضان عن باقي المحافظات بالتماس هلال شهر رمضان واعتمدت الكثير من الدول الإسلامية في الماضي عليها في هذا الأمر لمدة زادت على النصف قرن عندما كان المرحوم أحمد نعسان الأحدب، وهو كما يصفه الأديب الراحل وليد قنباز ربعه بالرجال، ويعمل حذاءً ويتمتع بعينين صغيرتين لكنهما كعيني الصقر في حدة البصر وكان له ولع شديد بتوليد أهلة الشهور القمرية الإثنتي عشرة جميعها ومن هنا أصبحت له دراية وخبرة بهلال كل شهر متى يولد ومتى يغيب.
الجانب الغربي لقلعة حماة هي الموقع المفضل لرؤية هلال رمضان
وكانت قلعة حماة من جانبها الغربي هي الموقع المفضل لأحمد الأحدب الملقب بأبي عزو ومن يتطوع معه لرؤية هلال رمضان حيث كان يشير لمئات الناس المتجمهرين حوله إلى موقع البرناوي حالياً وعلى أعمدة الهاتف والكهرباء ويقول لمن بجانبه من العلماء والناس العامود الوسطاني خود من آخره متر باتجاه الشرق ثم اصعد إلى الأعلى بقدر نصف متر هنا سيظهر الهلال وماهي إلا أقل من نصف دقيقة ويصرخ أبو عزو ظهر الهلال ثم يطلب ممن حوله التثبت من الرؤية وظل المرحوم أبو عزو ما يزيد على الأربعين عاماً سيد إثبات رؤية هلال رمضان وهلال شوال لكل الدول العربية وبعض الدول الإسلامية.
اجتماع أفراد الأسرة على مائدة الإفطار عادة واظبت عليها الأسر الحموية حتى الآن
ومن العادات التي واظبت عليها الأسر الحموية في الماضي وما تزال قائمة حتى يومنا هذا إفطار جميع أفراد الأسرة لاسيما الأبناء المتزوجون مع زوجاتهم وأولادهم خلال اليوم الأول من بدء الصيام في منزل العائلة والحضور له شيء طبيعي من دون توجيه الدعوة في حين أن عشاء اليوم الثاني يكون عند أكبر أولاد الأسرة سناً وتستمر هذه الحال أياما قد تمتد طوال الشهر الكريم باعتبار أن من سمات ونفحات رمضان كبح النزاعات والمشاحنات وتوثيق الصلات الاجتماعية لاسيما صلات الرحم فضلاُ عن أن هذه الدعوات المتبادلة لتناول الإفطار تشكل فرصة لتبادل الأحاديث والتعرف على أحوال بعضهم والتسامر والسهر وقضاء أجمل السهرات الرمضانية.
ودرج عدد من أهالي حماة خلال هذا الشهر أيضاً لاسيما بعد أداء صلاة العشاء والتراويح السير حول قلعة تل حماة الأثرية التي تعد من أجمل المواقع في المدينة لكونها تطل على نهر العاصي والنواعير المقامة عليه وذلك في الجهة الشمالية الغربية من القلعة التي حظي حرمها مؤخراً بإنشاء سور معدني و القيام بأعمال تحسين وتجميل للمنطقة المحيطة بها وذلك من قبل مجلس المدينة الأمر الذي أضفى على هذا الموقع المزيد من الجمال و البهاء.
المسحراتية من أهم الأجواء الرمضانية التي تميز الشهر المبارك
ومن الأجواء الرمضانية التي تنتشر في حماة أسوة بباقي المدن السورية المسحراتية الذين يجوبون شوارع وأحياء المدينة وحاراتها لإيقاظ الصائمين النيام لتناول وجبة السحور وذلك من خلال قيام هؤلاء المسحراتية بالقرع على الطبلات التي بحوزتهم وهم يرددون العبارات الشعبية وأشهرها "يا نايم وحد الدايم" ومن العادات التي درج عليها الحمويون تقديم وجبات من الطعام للمسحراتي ومبلغاً من المال له تحت اسم "العيدية" مع الأيام الأخيرة من رمضان بعد أداء واجبه في عملية إيقاظهم طيلة شهر رمضان.
كما اعتاد سكان حماه في هذا الشهر على تبادل أطباق الطعام والشراب المتعددة بما يسمى بـ "السكبة" والتي أعدتها النساء بطرق سهلة قوامها مواد لا يكاد يخلو كل بيت منها كطبق الكبة وهي عبارة عن برغل مقلية بالسمن الحيواني والبصل والبقدونس ومن أطباق الطعام التي اعتادت ربات البيوت على تحضيرها في هذا الشهر المقلوبة التي تتألف من الرز المطبوخ مع الباذنجان واللحم والسمن العربي والمزين بأنواع المكسرات كالجوز والصنوبر واللوز والفستق الحلبي.
المائدة الرمضانية بحماة... تنوع وغنى
كما أن هناك أكلة تشتهر بها حماة وتكثر في شهر رمضان وهي الملوخية التي كانت تدعى قديماً بالملوكية نسبة إلى الملوك القادرين على تحضيرها والإعداد لها وهي عبارة عن ملوخية مقلية بالسمن ومطبوخة مع الدجاج أو لحم الضأن و يتم تناولها مع طبق من الرز.
وتتميز مائدة رمضان عند أهل حماة عادة بأنواع الطعام الدسم وفي مقدمتها الكبب بأنواعها والمحاشي والباطرش الحموي وبخاصة ورق العنب الذي تسميه نساء حماة "اليبرق" وطبق الصاجية وقوامها الرز المطبوخ مع الخبز المقمر بالسمن العربي ولبن الغنم الرائب والذي يتم تزيينه بالصنوبر إضافة إلى السمبوسك والشيش برك إلى جانب الأطباق الرمضانية الاعتيادية التي لا تكاد مائدة رمضانية تخلو منها كفتات الحمص والفول المدمس والمتبل وفتوش الخضار والسلطات بأنواعها ومن المقبلات هناك السلطة والتبولة والفتوش الأخضر وشوربة العدس والدقة التي هي عبارة عن الفليفلة الحمراء الناعمة مع الطحينة والزيت والمكسرات وكذلك الكبة النية إلى جانب العصائر والمشروبات والمرطبات فأهل حماة يحرصون على إعداد شراب التوت الشامي والبرتقال والليمون وشراب الورد من أجل رمضان.
وتبرز في هذا الشهر الكريم أنواع عديدة من الحلويات التي لها سمة حموية محضة ويتفنن الحمويون بصنعها وتزيينها وتجميلها
بشكل يبعث في نفوس الصائمين الشهية على تناولها ومنها حلاوة الجبن بأنواعها المختلفة وهي عبارة عن سميد مطبوخ مع الجبنة ومحشية بالكريما أو القشطة ومزينة بالفستق الحلبي إضافة إلى الهيطلية التي تتألف من الحليب المطبوخ مع النشاء والسكر والقشطة والوربات التي يزيد استهلاكها في هذا الشهر الكريم وهي عبارة عن رقائق من العجين مدهونة بالسمن الحيواني ومحشوة بالقشطة مع الإشارة إلى أن المنتجات الحيوانية كالسمن والقشطة والقريشة والزبدة تدخل في قوام معظم الحلويات الحموية باعتبار أن محافظة حماة هي المصدر الأول لهذه المنتجات.
مع آذان الفجر يذهب الرجال والنساء إلى المساجد لأداء فريضة صلاة الصبح ثم يذهب الرجال إلى حوانيتهم وأعمالهم التي تستمر حتى بعد صلاة العصر حيث يعودون إلى المنازل لقراءة القرآن وانتظار الإفطار وإن كان البعض منهم يحلو له أن يتجول بعد العصر في الأسواق التي تكثر فيها بسطات حلاوة الجبن والسمسمية والقرمش الملون والسوس وأنواع الحلويات المشغولة بالسمن البلدي فيشتري منها ثم يعود أدراجه إلى منزله أما النساء فهن مشغولات في بيوتهن بتحضير أنواع المآكولات حيث أن مائدة الإفطار لابد من أن تضم طبقاً جديداً كل يوم.
في حين يتدرب الأطفال على الصيام كل حسب عمره فرحين ومبتهجين برمضان فمنهم من يصوم درجات المئذنة أي يأكل عند السحور وعند الظهر ثم العصر وبعدها لا يأكل إلا عندما يضرب مدفع الإفطار وهو مع ذلك يأخذ من أبيه بعض النقود لشراء الافطارية وغالباً ما تكون نوع من أنواع الحلوى كالبسكويت أو الراحة أو الشوكولا وماسواها.
ويعد المجتمع الحموي مجتمعاً يحافظ على عاداته وتقاليده الاجتماعية
الأمر الذي جعل مدينة حماة تبدو في رمضان في حلة بهية تختلف فيها عن بقية اشهر السنة الأخرى تجمع فيها العبق الروحي والاجتماعي.
ومن أقوال الحمويين في شهر رمضان وذلك بعد مضي الأيام العشرة الأولى منه "متى ماعشر بشر" أي مر ثلثه وقارب النصف وفي اليوم السادس عشر يقولون "مال القبان" أي مضى النصف وبدأ التناقص وبعد مضي اليوم الثالث والعشرين يقولون "ما بقى يروح يوم ويجي أخوه".
والجدير ذكره أنه مع قدوم شهر رمضان المبارك تسود مظاهر الخير والبركة في كل حي من أحياء المدينة وشوارعها وتنتشر مآدب الإفطار في عدد من المساجد الكبيرة في المدينة والتي يتم فيها استقبال كل الصائمين الراغبين في تناول وجبة الإفطار.
ومع اقتراب حلول عيد الفطر السعيد في الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان تكتظ أسواق المدينة بالمواطنين الذي يباشرون بشراء حاجيات العيد من الألبسة والحلويات والأطعمة والأحذية وكل مستلزمات العيد ابتهاجاً بهذه المناسبة التي يحتفل بها الصائمون بالإفطار بعد قضاء شهر رمضان وإتمام شعائره الدينية.
تقرير: عبد الله الشيخ