يحتاج العالم إلى منظور جديد لرؤية مشاكله التي تعصف به، ومن ثم إلى طرق مبتكرة وأصيلة لحلها. كانت حرب بوش على “الإرهاب” الزعم الذي أراد أن يقنع الناس بأنه الطريق الوحيد للقضاء على العنف المستشري في أنحاء العالم. كانت تلك حرباً أخفت أموراً جوهرية لتسويغ قبولها من لدن شعبه كما من قبل بلدان العالم. لقد بذل كل ما في وسعه من أجل ألا تظهر مشاكل العالم على حقيقتها، وحينما لم يتمكن من ذلك تماماً، سفّه كل من حاول أن يجد صلة بين هذه المشاكل وما يعتري العالم من عنف متزايد. وموقف الإدارة مفهوم، وإن لم يكن مقبولاً، فهي أرادت من الحرب مطية لتحقيق أهدافها، وهي رأت في مواجهة المشاكل الحقيقية إجباراً معنوياً لها على تغيير سياساتها لأنها أكبر المساهمين في خلقها.
وقد تمكنت أمريكا من فرض برنامجها على العالم الذي كان يتمرد عليها بهدوء وأصبح يعلو صوته الرافض لها. لقد حان بعد أن أفلت شمسها أن يغير العالم طرقه في التعامل معها، وقد يساعده على ذلك أن الرئيس المنتخب باراك أوباما قد جعل التغيير شعاراً له للوصول إلى السلطة. وسيعينه أيضاً أن الأزمات الاقتصادية والمناخية والأمنية تظهر للعيان خطل السياسات الدولية في مقاربتها. ولعل خير دليل على ذلك أن الناس الذين تم استقصاء آرائهم في مجموعة من البلدان أظهروا إدراكاً حقيقياً لها حينما أكدوا أنهم يرون أولوية لبحث مشكلة المناخ على الأزمة الاقتصادية، وطالبوا قادة العالم بالإسراع في العمل لمواجهة التغير المناخي لما سيكون له من آثار مدمرة على المعمورة.
لكن هناك مليار إنسان يعيشون في حالة الجوع، ومثلهم لا يصلهم الماء الصالح للشرب، لم يستقص أحد آراء هؤلاء في ما ينبغي أن يكون العالم عليه، وهو لا ريب لن يتعدى الرجاء في أن تزال الظروف التي أفضت بهم إلى ما هم عليه. وهي ظروف لم تكن من صنع أياديهم، وإلى حد قليل من صنع الطبيعة، لكنها إلى حد كبير جراء السياسات الاقتصادية القديمة والحديثة للبلدان الكبرى. وبالتالي، تصبح مسؤولية هذه البلدان مزدوجة: أولاً، في أن تساعدهم على تحسين أوضاعهم لأنها كانت بسياساتها سبباً في كثير من بؤسهم. وثانياً، في وضع نظام دولي جديد عادل، وهو نظام يحتاج من الدول الكبرى أن تكون القدوة للدول الأخرى في السياسات التي تضعها وفي الأدوار التي تقوم بها.
فالسباق إلى التسلح بأسلحة الدمار الشامل من قبلها لن يخفض من مخاطر انتشارها مهما شددت أنظمة الرقابة، لأن الخوف من التدمير أو الابتزاز سيكون الملهم لسياسات البلدان الأخرى. كما أن سياسة جعل العالم صندوق نفايات للبلدان الكبرى سيحرض البلدان الأخرى على أن تحذو حذوها. وحينما تتململ الأرض من أثقالها لن تكون نتائجها محصورة في بقعة من دون أخرى، بل سيعم تدميرها وإن كان الأكثر فقراً سيكونون هم الأكثر معاناة.
فالعالم الذي يعم فيه الجوع والتسلح والفوضى هو الأقلّ أمناً والأكثر عنفاً.
الافتتاحية